السيد محمد تقي المدرسي
408
من هدى القرآن
« عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً ( 21 ) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ( 22 ) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا ( 23 ) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ( 24 ) وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 25 ) وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ( 26 ) إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا ( 27 ) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ « 1 » وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ( 28 ) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ( 29 ) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 30 ) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ( 31 ) » . بينات من الآيات : [ 4 - 1 ] إذا عرف الإنسان ربه عرفه الله نفسه . كذلك إذا عرف نفسه عرف ربه ، حيث إنه حين يتفكر فيها لا يجد فيها إلا آيات الصنع وشواهد التدبير . وأهم أثارة علمية يلقيها القرآن على الإنسان : حقيقة حدوثه بعد العدم ، وأنه أصبح شيئا مذكورا بعد أن كان خاملا مجهولا « هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً » ، وهذه الإثارة التي تنفذ في أغوار الإنسان ، والتي تعبِّر عنها صيغة الاستفهام ، إنها تجعلنا عندما نتفكر في أبعادها نعيش وعي الصيرورة الزمنية في نشأتنا ، هذا الوعي الذي يزيد العقل ، ويقضي على الغرور ، ويرفع الإنسان إلى مستوى الحكمة . وقد اختلفوا في حرف « هَلْ » ، فقال بعضهم : أنه هنا بمعنى ( قد ) ، وقال آخرون : بل هو استفهام تقريري ، يعرف السائل الجواب سلفا وإنما يطرح الكلام لأخذ الإقرار من الطرف الآخر . ويبدو لي أن الكلمات تبقى بمعناها اللغوي عند الاستعمالات الأدبية المختلفة ، إلا أن هدف الاستخدام يختلف حسب السياق ، ف - « هَلْ » هنا - مثلا - جاءت بمعنى الاستفهام ، أما لماذا جاء الاستفهام ؟ فهو ليس شأن الكلمات - خصوصاً وهي مفردات - إنما هو شأن الذي استخدمها ، وإنما هو السياق ومعاريض الكلام الذي يكشف عن بعض أغراض المتكلم . ويكون مثل ذلك في عالم الماديات : السيارة التي تقوم بحمل الإنسان . أما إلى أين ولماذا يتحرك الإنسان ؟ فهذا ليس شأنها إنما هو شأنه .
--> ( 1 ) وشددنا أسرهم : أي أحكمنا خلقهم بتنظيم الأجهزة ، فإن الأسر أصله الشد ، ومنه سُمّي الأسير أسيراً لأنه يشد بالحبال .